Thursday, September 07, 2006

أيها الولد


من كتاب أيها الولد

أيهـا الولــد:

إني أنصحك بثمانية أشياء ، اقبلها مني لئلا يكون علمك خصمك يوم القيامة ،

تعمل منها أربعة ، وتدع منها أربعة:

أما اللواتي تدع:

فأحدها: ألا تناظر أحدا في مسألة ما استطعت لأن فيها آفات كثيرة ، فإثمها أكبر من نفعها ، إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها.

نعم ، لو وقع مسألة بينك وبين شخص أو أقوام ، وكانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع ، جاز البحث ، لكن لتلك الإرادة علامتان:

إحداهما: ألا تفرّق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك.

والثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحبّ إليك من أن يكون في الملأ.

واسمع أني أذكر ههنا فائدة ، واعلم أن السؤال عن المشكلات عرض مرض القلب إلى الطبيب ، والجواب له سعي لإصلاح مرضه.

واعلم أن الجاهليين: المرضى قلوبهم ، والعلماء: الأطباء.

والعالم الناقص لا يحسن المعالجة ، والعالم الكامل لا يعالج كل مريض ، بل يعالج من يرجو فيه قبول المعالجة والصلاح ، فإذا كانت العلة مزمنة أو عقيما لا تقبل العلاج ، فحذاقة الطبيب فيه أن يقول: هذا لا يقبل العلاج ، فلا تشغل فيه بمداواته لأن فيه تضييع العمر.

ثم اعلم أن مرض الجهل على أربعة أنواع : أحدها يقبل العلاج ، والباقي لا يقبل.

- أما الذي لا يقبل:

فأحدهما: من كان سؤاله واعتراضه عن حسد وبغض ، فكلما تجيبه بأحسن الجواب وأفصحه ، فلا يزيد له ذلك إلا بغضا عداوة وحسدا ، فالطريق ألا تشتغل بجوابه ، فقد قيل:

كل العداوة قد ترجى أزالتها ... إلا عداوة من عاداك عن حسد

فينبغي أن تعرض عنه ، وتتركه مع مرضه؛ قال الله تعالى:{فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا}.

والحسود بكل ما يقول ويفعل يوقد النار في زرع علمه: (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).

والثاني: أن تكون علته من الحماقة ، وهو أيضا لا يقبل العلاج كما قال عيسى عليه السلام: إني ما عجزت عن إحياء الموتى ، وقد عجزت عن معالجة الأحمق.

وذلك رجل يشتغل بطلب العلم زمنا قليلا ويتعلم شيئا قليلا من علوم العقل والشرع ، فيسأل ، ويعترض من حماقته على العالم الكبير ، الذي أمضى عمره في العلوم: العقلي والشرعي ، وهذا الأحمق لا يعلم ، ويظن أن ما أشكل عليه هو أيضا مشكل للعالم الكبير ، فإذا لم يعلم هذا القدر يكون سؤاله من الحماقة ، فينبغي ألا يشتغل بجوابه.

والثالث: أن يكون مسترشدا ، وكل ما لا يفهم من كلام الأكابر يحمل على قصور فهمه ، وكان سؤاله للاستفادة ، لكن لكونه بليدا لا يدرك الحقائق ، فلا ينبغي الاشتغال بجوابه أيضا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقوله).

وأما المرض الذي يقبل العلاج ، فهو أن يكون مسترشدا عاقلا فهما لا يكون مغلوب الحسد والغضب وحب الشهوة والجاه والمال. ويكون طالب طريق المستقيم ، ولم يكن سؤاله واعتراضه عن حسد ، وتعنّت وامتحان ، وهذا يقبل العلاج ، فيجوز أن تشتغل بجواب سؤاله بل يجب عليك إجابته.

والثاني مما تدع: وهو أن تحذر وتحترز من أن تكون واعظا ومذكرا؛ لأن آفته كثيرة إلا أن تعمل بما تقول أولا ، ثم تعظ به الناس ، فتفكر فيما قيل لعيسى عليه السلام: (يا ابن مريم عظ نفسك ، فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستح من ربك).

وإن ابتليت بهذا العمل فاحترز عن خصلتين:

الأولى: عن التكلف في الكلام بالعبارات والإشارات والطامات والأبيات والأشعار؛ لأن الله تعالى يبغض المتكلفين ، والمتكلف المتجاوز عن الحد ، يدل على خراب الباطن وغفلة القلب.

ومعنى التذكير: أن يذكر العبد نار الآخرة ، وتقصير نفسه في خدمة الخالق ويتفكر في عمره الماضي الذي أفناه فيما لا يعنيه ويتفكر فيما بين يديه من العقبات من عدم سلامة الإيمان في الخاتمة ، وكيفية حاله في قبض ملك الموت ، وهل يقدر على جواب منكر ونكير؟

ويهتم بحاله في القيامة ومواقفها ، وهل يعبلا عن الصراط سالما أم يقع في الهاوية؟

ويستمر ذكر هذه الأشياء في قلبه ، فيزعجه عن قراره ، فغليان هذه النيران ، وتوجه هذه المصائب يسمّى تذكيرا ، وإعلام الخلق واطلاعهم على هذه الأشياء ، وتنبيههم على تقصيرهم وتفريطهم ، وتبصيرهم بعيوب أنفسهم لتمسّ حرارة هذه النيران أهل المجلس ، وتجزعهم تلك المصائب ليتداركوا العمر الماضي بقدر الطاقة ، ويتحسّروا على الأيام الخالية في غير طاعة لله تعالى.

هذه الجملة على هذا الطريق تسمى وعظا ، كما لو رأيت أن السيل قد هجم على دار أحد ، وكان هو وأهله فيها فتقول: الحذر الحذر فروا من السيل!! وهل يشتهي قلبك في هذه الحالة أن تخبر صاحب الدار خبرك بتكلف العبارات ، والنكت والإشارات؟ فلا يشتهي البتة؛ فكذلك حال الواعظ فينبغي أن يجتنبها.

الخصلة الثانية: ألا تكون همّتك في وعظك أن ينفر الخلق في مجلسك ويظهروا الوجد ، ويشقوا الثياب ، ليقال: نعم المجلس هذا؛ لأن كله ميل للدنيا والرياء ، وهو يتولد من الغفلة ، بل ينبغي أن يكون عزمك وهمّتك أن تدعو الناس من الدنيا إلى الآخرة ، ومن المعصية إلى الطاعة ، ومن الحرص إلى الزهد ، ومن البخل إلى السخاء ، ومن الغرور إلى التقوى ، وتحبب إليهم الآخرة ، وتبغّض إليهم الدنيا ، وتعلمهم علم العبادة والزهد؛ لأن الغالب على طباعهم الزيغ عن نهج الشرع ، والسعي فيما لا يرضى الله تعالى به ، والاشتغال بالأخلاق الرّدية ، فألق في قلوبهم الرعب ، وروّعهم ، وحذرهم عما يستقبلون من المخاوف؛ لعل صفات باطنهم تتغير ، ومعاملة ظاهرهم تتبدل ، ويظهروا الحرص والرغبة في الطاعة والرجوع عن المعصية ، وهذا طريق الوعظ والنصيحة ، وكل وعظ لا يكون هكذا فهو وبال على من قال ويسمع ، بل قيل: إنه غول وشيطان ، يذهب بالخلق عن الطريق ويهلكهم ، فيجب عليهم أن يفروا منه؛ لأن ما يفسد هذا القائل من دينهم ، لا يستطيع بمثله الشيطان ، ومن كان له يد وقدرة يجب عليه أن ينزله عن منابر المسلمين ويمنعه عما باشر ، فإنه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والثالث مما تدع: أنه لا تخالط الأمراء والسلاطين ولا ترهم ، لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة ، ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم وثناءهم ، لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم ، ومن دعا لطول بقائهم فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه.

والرابع مما تدع: ألا تقبل شيئا من عطاء الأمراء وهداياهم وإن علمت أنها من الحلال ، لأن الطمع منهم يفسد الدين ، لأنه يتولد من المداهنة ، ومراعاة جانبهم والموافقة في ظلمهم ، وهذا كله فساد في الدين ، وأقلّ مضرّته أنك إذا قبلت عطاياهم ، وانتفعت من دنياهم أحببتهم ، ومن أحبّ أحدا يحب طول عمره ، وبقاءه بالضرورة ، وفي محبة بقاء الظالم إرادة في الظلم على عباد الله تعالى ، وإرادة خراب العالم ، فأي شيء يكون أضر من هذا على الدين والعاقبة.

وإياك وإياك أن تخدع باستهواء الشياطين أو قول بعض الناس لك: بأن الأفضل والأولى أن تأخذ منهم الدينار والدهم ، وتفرّقها بين الفقراء والمساكين؛ فإنهم ينفقون على الفسق والمعصية ، وإنفاقك على ضعفاء الناس خير من إنفاقهم؛ فإن اللعين قد قطع أعناق كثير من الناس بهذه الوسوسة وآفته كثيرة ، ذكرناها في إحياء العلوم فاطلبه منها.

وأما الأربعة التي ينبغي لك أن تفعلها:

الأول: أن تجعل معاملتك مع الله تعالى ، بحيث لو عامل بها عبدك معك ترضى بها منه ، ولا يضيق خاطرك عليه ولا تغضب ، والذي لا ترضى به لنفسك من عبدك المجازيّ فلا ترضى أيضا لله تعالى وهو سيدك الحقيقي.

والثاني: كلما عملت بالناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم؛ لأنه لا يكمل إيمان عبد حتى يحبّ لسائر الناس ما يحبّ لنفسه.

والثالث: إذا قرأت العلم أو طالعته ، ينبغي أن يكون علمك علما يصلح قلبك ويزكي نفسك ، كما لو علمت أن عمرك ما يبقى غير أسبوع ، فبالضرورة لا تشتغل فيها بعلم الفقه والخلاف والأصول والكلام وأمثالها؛ لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تغنيك ، بل تشتغل بمراقبة القلب ، ومعرفة صفات النفس ، والإعراض عن علائق الدنيا ، وتزكي نفسك عن الأخلاق الذميمة وتشتغل بمحبة الله تعالى وعبادته ، والاتصاف بالأوصاف الحسنة ، ولا يمر على عبد يوم وليلة إلا ويمكن أن يكون موته فيه.

0 comments: